قال تعالى : {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا} (14) سورة مريم , وقال سبحانه : {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} (32) سورة مريم .
كثيرا ما حصل الخلط بين ( عصيا ) و ( شقيا )
ولضبط المتشابه هنا : الأولى كلمة ( عصيا ) جاءت قبلا في قصة يحيى عليه السلام , فهي في أول السورة , وأول السورة مبدوءة ب ( كهيعص ) نلحظ وجود ( الياء والعين والصاد ) في افتتاح السورة , فهي كذلك موجودة في الكلمة الأولى الأقرب إليها ( عصيا ) , وإذا ضبطنا أن الأولى عصيا عرفنا تلقائيا أن الثانية ( شقيا ) .
بقي فرق بلاغي بين الآيتين : ففي الأولى قال : " ولم يكن " وفي الثانية قال : " ولم يجعلني " فلماذا ؟
الجواب والله أعلم : أن الأولى كانت تزكية من الله ليحيى فجاء الحكم القطعي " ولم يكن " وأما في الثانية فهي حديث عيسى عليه السلام عن نفسه , فلم يكن من الأدب أن يزكي نفسه , بل نسب الأمر إلى الله تعالى فقال : " ولم يجعلني " ولا سيما أنه نسب كل ما قبلها إلى الله تعالى فقال :" {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا , وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا , وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} (32) سورة مريم .
فقال : آتاني , وجعلني نبيا , وجعلني مباركا , وأوصاني ,, وبرا بوالدتي أي وجَعَلَنِي برا بوالدتي .. فناسب أن يأتي بالفعل المنفي : " ولم يجعلني .. "
والله أعلم .
__________________
وَمِنْ عَجَبٍ أنَّ الفتَى وهْوَ عاقِلٌ ,,, يُطِيعُ الهَوَى فِيما يُنافِيه رُشْدُهُ يَفِرُّ منَ السُّلوان وهْوَ يُرِيْحُـهُ ,,, ويأوِي إلى الأشْجانِ وهي تَكُدُّهُ
[ محمود سامي البارودي ]
|